دعوى ضمان العيب الخفي في المبيع المنقول: حق مشروط للمشتري

05/10/2121

يبدو أن التطور التكنولوجي والصناعي الذي يشهده هذا العصر ساهم في تنوع السلع والخدمات والمنتجات، وقد ترافق ذلك مع تعدد أساليب التسويق وبالتالي إزدياد عمليات الشراء. لا يزال عقد البيع من أكثر العقود إنتشاراً نظراً لأهميته في حياة الفرد اليومية.

ويرتب عقد البيع موجبات على كل من البائع والمشتري. فيكون من موجبات البائع الأساسية المنصوص عنها في المادة ٤٠١ من قانون الموجبات والعقود اللبناني (م.ع) تسليم وضمان المبيع. فيضمن البائع للمشتري ملكية هادئة ونافعة. إن ضمان البائع للنقائص والعيوب الخفية في المبيع موضوع بالغ الأهمية نظراً لكثرة الدعاوى والنزعات الناشئة عن إخلال البائع بهذا الموجب، فضلاً عن إهتمام الفقه والإجتهاد في تفسير الأحكام التي تتناول قواعد ضمان العيوب الخفية.

 وبتعريف وشرح مبسط للعيب الخفي الموجب للضمان فيمكن وصفه بأنه "الآفة أو العلة الموجودة بشكل خفي في الشيء المبيع، والتي تكون من الأهمية والخطورة بحيث يصبح الشيء غير صالح للإستعمال بالشكل الذي كان يريده المشتري."[1] والأمثلة عن حالات تبيّن أن في الميبع عيب خفي كثيرة جدّاً كأن يشتري احدهم براداً لتخزين الطعام ليكتشف أنه لا يؤدي الغاية المعد لها أي تبريد الطعام، أو من يشتري مواد للبناء غير صالحة في الإستعمال... 

فيكون عندها أمام المشتري أن يمارس حقه بإقامة دعوى الضمان بوجه البائع وذلك إمّا للمطالبة برد المبيع إلى البائع وإسترجاع الثمن، وهذا ما يعرف بدعوى الرد، وإمّا للمطالبة بتخفيض ثمن المبيع بنسبة العيب.

فكيف يمارس المشتري حقه بإقامة دعوى ضمان العيب الخفي في المبيع المنقول؟  

سيكون من المفيد التطرق بدايةً إلى موجبات المشتري السابقة لممارسة دعوى الضمان لما لذلك إرتباط بإقامة المشتري لتلك الدعوى، ومن ثم عرض المهلة المحددة للإدعاء وأهمية التقيّد بها.

І. موجبات المشتري السابقة لممارسة دعوى الضمان 

لقد حددت المادة ٤٤٦ م.ع الإجراءات والموجبات التي على المشتري القيام بها قبل أن يقيم دعوى الضمان وهما موجبان أساسيان يمكنان المشتري من إقامة دعواه، إذ بدونهما لا مجال لإقامة دعوى ضمان العيوب الخفية. هذان الموجبان هما كما وردا في المادة ٤٤٦ م.ع ، أولاً موجب فحص المبيع  وثانياً موجب إخبار البائع بالعيب خلال المهلة.

 

أ. موجب فحص المبيع

تنص المادة ٤٤٦ م.ع على أنه "إذا كان المبيع من المنقولات غير الحيوانات، وجب على المشتري أن ينظر في حالة المبيع على أثر  استلامه وأن يخبر البائع بلا إبطاء في خلال السبعة أيام التي تلي الإستلام عن كل عيب يجب على البائع ضمانه. وإلا فالمبيع يعد مقبولاً ما لم تكن العيوب مما لا يعرف بفحص عادي أو تكن هناك موانع لا علاقة لها بمشيئة المشتري حالت دون النظر في حالة المبيع، وفي مثل هذا الموقف يجب إبلاغ عيوب المبيع إلى البائع على أثر اكتشافها وإلا عد المبيع مقبولاً. غير أنه لا يحق للبائع السيئ النية أن يتذرع بهذا الحكم الأخير."

 يمكن أن نستنتج من نص هذه المادة أن احكامها لا تطبق على الحيوانات من المنقولات كما لا تطبق على غير المنقولات. وسبب ذلك يعود إلى أن إكتشاف العيب في الحيوانات وغير المنقولات قد يكون أمر صعب فور التسليم ويصعب تطبيق مهل موضوعة للمنقولات عليها.[2]

 كذلك إذا كان المنقول من غير الحيوانات فلا بد من التفريق بين حالتين[3]:

الحالة الأولى إذا كان العيب مما يمكن أن يعرف بفحص عادي، فعلى المشتري أن ينظر في حالة المبيع على أثر استلامه، فإذا وجد فيه عيب موجب للضمان عليه أن يخبر البائع بلا إبطاء في خلال السبعة أيّام التي تلي الإستلام عن هذا العيب وإلّا إعتبر المبيع مقبولاً. والفحص العادي المقصود هو الفحص المعتاد الذي يكون أكثر دقة من الفحص الذي يجريه المشتري عادةً عند الشراء، فالمشتري لا يتمكن عملياً من فحص الشيء المبيع إلا عند استلامه فعلياً حتى لو كان العيب ظاهراً للعيان[4]. والإستلام الفعلي المقصود به في هذا السياق هو الذي يتيح للمشتري أن يتفحص المبيع بصورة فعلية[5].

الحالة الثانية إذا كان العيب مما لا يعرف بفحص عادي أو إذا قامت موانع لا علاقة لها بمشيئة المشتري حالت دون النظر في حالة المبيع، على المشتري أن يبلغ البائع بالعيب على أثر إكتشافه دون تحديد أي مهلة وإلّا عد المبيع مقبولاً، إلّا إذا كان البائع سيئ النية، فعندها لا يحق له التذرع بعدم إبلاغه فوراً. إن البائع السيئ النية ذلك الذي كان عالماً بالعيب وأخفاه عن المشتري، فيعفى المشتري من اعلامه بوجود العيب ويكون له أن يرجع على البائع بالضمان طيلة مدة مرور الزمن[6]. إن الأهم من فحص المبيع هو إخبار البائع عن العيب عند إكتشافه.

ب. موجب إخبار البائع بالعيب خلال المهلة

إن المادة ٤٤٦ م.ع والتي أتينا على ذكرها هي مادة إلزامية وقد تضمنت مهلة إلزامية أيضاً على المشتري التقيد بها وهي مهلة سبعة أيّام تلي إستلام المبيع والتي يعود فيها للمشتري إذا ما إكتشف عيب في المبيع أن يخبر ويبلغ البائع بذلك. إن المقصود بإخبار البائع هو اعلامه وإخطاره بأن المشتري وجد عيب في المبيع، والغاية من ذلك هي تحاشي تفسير سكوت المشتري بأنه قبول المبيع على علّاته. إن هذا الإخبار لا يعتبر إنذار كونه لا يكلف بتنفيذ إلتزام انما فقط لإعلام البائع بكون المبيع معيباً. إن هذا الإخبار إلزامي وليس إختياري. لم يوجب له القانون شكل معين، فيمكن أن يتم بأي وسيلة كما أن إخبار البائع بالعيب تعد واقعة مادية يمكن اثباتها بكافة الطرق[7]. إن مهلة السبعة أيّام التي تلي إستلام المشتري للمبيع والتي منحها القانون للمشتري مهلة إلزامية إذا كان العيب مما يمكن أن يكتشف بفحص عادي حتى ولو قد تبدو هذه المهلة وجيزة إذ قد لا يتسنى للمشتري خلالها إكتشاف العيب حتى ولو كان عادي، ولكن المشترع اللبناني إتخذ هذا الموقف كي يراعي الإستقرار في التعامل. إن القانون الفرنسي لم يلزم المشتري بأي مهلة لإخبار البائع، فيكون بإمكانه مباشرةً أن يتقدم بدعوى الضمان دون أن يخبر البائع قبل ذلك بالعيب. إن هذه المهلة على الرغم من الزاميتها إلا أن الإجتهاد اللبناني[8] قرر أنه إذا إعترف البائع بوجود العيب فلا مجال لتطبيق المهلة المنصوص عليها، لأن الإعتراف يشكل تنازل من البائع عن التذرع بالإخبار ومهلته. مع العلم بأن مهلة السبعة أيام لا تسري إذا كان العيب مما لا يمكن إكتشافه بالفحص العادي كون المشتري يحتاج في هذه الحالة إلى فترة معقولة ليتمكن من إكتشاف العيب وعليه أن يخبر البائع بعد إكتشاف العيب دون التقيد بأي مهلة للإخبار.

ІІ. إقامة المشتري دعوى الضمان ضمن المهلة المحددة 

لقد فرق المشترع في تحديد مهلة الإدعاء عند ممارسة دعوى الضمان بين المنقول وغير المنقول، فسنتناول تحديد القانون لمهلة الإدعاء بسنة في المنقول ومن ثم التطرق إلى تحديد القانون مهلة الإدعاء على أنها مهلة إسقاط.

 

 

أ. تحديد القانون مهلة الإدعاء بسنة في المنقول

إن المادة ٤٦٣ م.ع قد حددت المهلة التي يجب أن تقام خلالها دعوى الضمان معتبرةً أنها ثلاثين يوماً بعد التسليم إذا كان المبيع من المنقولات شرط أن يرسل المشتري إلى البائع البلاغ المنصوص عنه في المادة ٤٤٦ م.ع. أما إذا كان المبيع من الأموال غير المنقولة الثابتة فإن المهلة هي ٣٦٥ يوم بعد التسليم.  إن المهلة المقررة في لبنان لإقامة دعوى العيب الخفي في بيع المنقولات، مهلة قصيرة جداً بالمقارنة مع تشريعات أخرى. فالقانون المدني المصري في المادة ٤٥٢ منه نص على أن مهلة الإداعاء هي سنة من وقت التسليم، دون التفريق بين المنقول وغير المنقول، وبصرف النظر عن مهلة إكتشاف العيب. والقانون المدني الفرنسي لم يكن في المادة ١٦٤٨ منه يحدد مهلة للإدعاء بل كان النص يكتفي بالقول أن الدعوى يجب أن تقام في وقت قصير. إلّا أن هذه المادة تم تعديلها في ١٧ شباط ٢٠٠٥ وأصبحت تنص على أن تقام دعوى العيب الموجب للضمان خلال سنتين من تاريخ إكتشاف العيب. إن المشترع اللبناني رغب في تقصير مهلة الإدعاء إلى حسم النزاع بسرعة، وإلى المحافظة على إستقرار التعامل وعدم ترك البائع خاضعاً لتقلبات مزاج المشتري فترة طويلة من الزمن[9]. ولا بد من الإشارة إلى التناقض الحاصل بين نص المادة ٤٤٦ و ٤٦٣ م.ع بحيث أنه إذا لم يكن العيب مما يمكن أن يعرف بفحص عادي فيكون للمشتري أن يقيم الدعوى على أثر إكتشاف العيب. بينما هذه المهلة في المنقول لا يمكنها أن تزيد عن ثلاثين يوم حسب المادة

٤٦٣ م.ع. فما الحل إذا إكتشف المشتري العيب بعد إنقضاء الثلاثين يوم؟ للتوفيق بين نص

المادة ٤٤٦ و ٤٦٣ م.ع من جهة، والحرص على حقوق المشتري وعلى عدم حرمانه من إقامة دعوى الضمان من جهة أخرى لا يمكن أن يتأمن إلا من خلال تعديل نص المادة ٤٦٣ م.ع[10]. والأهم أن المشتري بإقامته الدعوى خارج المهلة المحددة، أي خارج الثلاثين يوماً بعد التسليم يفقد حقه في إقامة الدعوى.

ب. تحديد القانون  مهلة الإدعاء على أنها مهلة إسقاط 

 إن مهلة الإدعاء المنصوص عليها في المادة ٤٦٣ م.ع والتي تناولنها أعلاه هي مهلة إسقاط وليست مهلة مرور زمن لأن عدم إقامة الدعوى في موعدها يستتبع سقوط الحق في اقامتها. نتيجة لذلك لا تخضع هذه المهلة للأسباب العامة لوقف مرور الزمن أو انقطاعه[11]. وقد كرست المادة ٤٦٣ م.ع ذلك بقولها "يجب أن تقام تحت طائلة سقوط الحق في اقامتها..." هذا يعني أن عدم تقديم دعوى الضمان ضمن المهلة يفقد المشتري حقه في إقامة الدعوى. بما أن المهلة المحددة في المادة ٤٦٣ م.ع هي مهلة إسقاط تسري بحق المشتري في مطلق الأحوال سواء أكان العيب ظاهراً أم خفي وسواء أكان البائع حسن النية أو سيئ النية بمعنى أنه بمجرد إنقضاء هذه المهلة يسقط حق المشتري في إقامة الدعوى بشأن العيوب التي اكتشفها أم الصفات الموعود بها.

من هنا نخلص إلى القول بضرورة تنبه البائع إلى حالة الشيء المبيع كما وجوب تنبه المشتري أيضاً لذلك والتقيد بالمهل القصيرة ليمارس حقه بإقامة دعوى الضمان. فللمشتري أن يمارس حقه بإقامة دعوى الضمان شرط أن يقوم أولاً بالموجبات المفروضة عليه فضلاً عن التقيد بالمهل المنصوص عنها قانوناً. فمبادئ العدالة في التعامل تفرض على البائع من جهة موجب ضمان العيب الخفي لكن تفرض أيضاً من جهةٍ أخرى على المشتري ممارسة حقه ضمن المهلة وذلك حفاظاً على إستقرار التعامل والعلاقات التعاقدية. كما يبقى القضاء المرجع الصالح للفصل في تلك النزاعات التي وفي بعض الأحيان على الرغم من بساطتها تبقى نزاعات قائمة بين فرقين ولا بد من الفصل بها وإعطاء كل صاحب حق حقه.

 

 

المراجع البيبليوغرافية:

كركبي م.، العقود المسماة، المنشورات الحقوقية صادر، ط ٦، ٢٠١٨، ج ١.

 

روزابيل سابا

 

My Legal Path

www.mylegalpath.com

 

 

 

 

 

[1] م. كركبي، العقود المسماة، المنشورات الحقوقية صادر، ط ٦، ٢٠١٨، ج ١، ص 270.

[2] م. كركبي، العقود المسماة، ص 309.

[3] م. كركبي، العقود المسماة، ص 309-310.

[4] م. كركبي، العقود المسماة، 310.

[5] م. كركبي، العقود المسماة، ص 311.

[6] م. كركبي، العقود المسماة، ص 311.

[7] م. كركبي، العقود المسماة، ص 310.

[8] تمييز مدني، 17/2/1960، باز،ج 8، ص 68.

[9] م. كركبي، العقود المسماة، ص 319.

[10] م. كركبي، العقود المسماة، ص 323-325.

[11] م. كركبي، العقود المسماة، صادر، ص 327.

Your Complimentary Legal Education Tool

SAVE TIME, LEARN FASTER

3,300+

Legal Flashcards

> Exam Questions

> Exam Cases

> Legal Questions & Answers

> General Culture

Unlimited

Legal Education Resources

> Local & International Legal News

> Online Law Courses in Arabic, French and English

> Legal Career Tips

> Legal Knowledge