الوعد بالبيع: عقد ممهد لعقد البيع التام

02/01/2121

يعد عقد البيع من أكثر العقود شيوعاً بين الناس. ومن أبرز عناصر عقد البيع كأي عقد آخر توافر رضى المتعاقدين. فالرضى هو الصلب والركن لكل عقد ويحظى بأهمية كبيرة في عقد البيع. فصحة البيع تتوقف على إتفاق المتعاقدين، أي على توفر الرضى بحسب المادة ٣٧٣ من قانون الموجبات والعقود اللبناني (م.ع).[1] فالرضى في عقد البيع كما في كافة العقود يتألف من عنصرين: العرض والقبول. فمتى إلتقى العرض بالقبول وتم إلتقاء إرادتي البائع والمشتري حول ماهية العقد، الشيء المبيع والثمن يصبح البيع تاماً. لكن في بعض الحالات، نكون أمام عقود ممهدة لعقد البيع التام كالوعد بالبيع.[2] ويشكل الوعد بالبيع مرحلة سابقة لمرحلة البيع الناجز التام.

فما هو الوعد بالبيع وما هي شروطه؟

تعرف المادة ٤٣٩ م.ع الوعد بالبيع على أنه "عقد بمقتضاه يلتزم المرء بيع شيء من شخص آخر لا يلتزم شراءه في الحال." وفريقي هذا العقد هما الواعد (البائع) والموعود أو المستفيد (المشتري). كما تؤكد المادة المذكورة أن طبيعة عقد الوعد بالبيع هو عقد غير متبادل وذلك كون الواعد يلتزم بالبيع في حين يبقى الموعود غير ملتزم بأي موجب.

أوجد المشترع الوعد بالبيع لتمكين الموعود من الحصول على المبيع في وقت متفق عليه مع الواعد وبثمن محدد قد لا يكون متوافر لديه بتاريخ الوعد، أي أن الوعد بالبيع قد وضع لمصلحة الموعود.[3]

أمّا عن الشروط الواجب توافرها في الوعد بالبيع فهي:

  • الرضى: وهو أحد شروط الوعد بالبيع كأي عقد آخر. فالرضى يتمثل بالتقاء ارادتين أي عرض وقبول كل من الفريقين على العمل بمبدأ الوعد بالبيع.[4]
  • الأهلية للتعاقد: وهنا لا بد من التمييز بين الأهلية بالنسبة للواعد والأهلية بالنسبة للموعود.

فالواعد يجب أن يكون له أهلية كاملة للتفرغ والتعاقد وقت انعقاد الوعد بالبيع كونه يقوم بالإلتزام، وإن وعده سوف يربطه، فإذا ما اعرب الموعود عن رغبته في الشراء إنقلب الوعد بالبيع إلى بيع تام دون تدخل من الواعد. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه إذا كان الواعد ذا أهلية عند الوعد بالبيع ثم فقدها فإن العقد يبقى صحيحاً لأنه قد نشأ صحيحاً وقت كان فيه الواعد أهلاً للتعاقد.

أمّا بالنسبة إلى أهلية الموعود فإن الأمر مختلف حيث يجب التفريق بين مرحلتين في ما خص الأهلية. أولاً عند إتمام عقد الوعد بالبيع على الموعود أن يكون أهلاً للتعاقد بشكل عام أي أن يكون مميزاً لأنه لا يلتزم بهذه المرحلة بأي موجبات تقيّده. أما في المرحلة الثانية، أي عند إعلان الموعود رغبته في الشراء فيجب أن يكون أهلاً للإلتزام كون اعلانه عن تلك الرغبة سيجعل البيع تاماً مما سيرتب إلتزامات وموجبات على الموعود.[5]

  • بالإضافة إلى ذلك يجب أن يكون  سبب عقد الوعد بالبيع مشروعاً وفقاً للنظرية العامة للعقد.
  • كما أن الشيء المبيع يجب أن يكون معيناً أو قابلاً للتعيين وموجوداً ومشروعاً.
  • يجب أن يتضمن عقد الوعد بالبيع تحديداً للثمن أو أن يتضمن على الأقل معيار لتحديد ذلك الثمن.
  • يجب أن يكون عقد الوعد بالبيع متضمن لمدة أو مهلة يمارس خلالها الموعود حقه بالخيار بشراء الشيء المتفق عليه أو بعدم الشراء. [6]لم يحدد قانون الموجبات والعقود مدة معينة يجب أن يتقيّد بها الموعود لممارسة حقه بالخيار. لكن إذا كان الشيء الموعود به عقاراً فبحسب المادة ٢٢٠ من قانون الملكية العقارية فإن مدة الوعد بالبيع هي ١٥ سنة. وحتى ولو تم الاتقاف على مدة أطول بين الفرقاء فلا يكون للوعد بالبيع مفعولاً خارج تلك المدة. 

لكن ما يميز الوعد بالبيع عن البيع مع إشتراط حق الإسترداد؟

  • إن البيع مع إشتراط حق الإسترداد يتضمن بيع ناجز وتام أي يتم عقد البيع مكتملاً، بينما الوعد بالبيع يعتبر مرحلة تمهيدية تسبق البيع التام. وقد عرفت المادة ٤٧٣ م.ع البيع مع إشتراط حق الإسترداد على أنه، "البيع الذي يلتزم فيه المشتري بعد البيع التام أن يعيد المبيع إلى البائع مقابل رد الثمن ويمكن أن يتناول أشياء منقولة وغير منقولة."
  • إن الإلتزام في البيع مع إشتراط حق الإسترداد يكون على عاتق كل من فريقي العقد، حيث يلتزم البائع برد الثمن ويلتزم المشتري بإعادة الشيء المبيع. إن ذلك بخلاف الوعد بالبيع حيث الإلتزام يكون على عاتق البائع ومتمثل بإعطاء البيع كافة مفاعيله عندما يظهر المشتري رغبته بالشراء. فيصح القول أن البيع مع إشتراط حق الإسترداد هو عقد متبادل في ما الوعد بالبيع هو عقد غير متبادل.
  •  كذلك يظهر فرق في ما خص مهلة أو مدة كل من العقدين. فالمهلة المتفق عليها للبيع مع حق الإسترداد هي ثلاث سنوات كحد أقصى كما أتت المادة ٤٧٤ م.ع على ذكرها بينما مدة أو مهلة الوعد بالبيع قد تكون أطول.

ما هي أبرز مفاعيل الوعد بالبيع؟

     إن مفاعيل أو آثار أي عقد تشتمل على حقوق وموجبات كل من الفريقين:

  1. موجبات وحقوق الواعد: 

إن الواعد عند إتمام الوعد بالبيع يلتزم بإعطاء البيع جميع آثاره عندما يعرب المستفيد عن رغبته بالشراء. ويكون إلتزام الواعد بمثابة دين على عاتقه حيث يكون الواعد مدين تجاه الموعود بإعطاء البيع جميع آثاره ومفاعيله بمجرد إعلان الموعود عن رغبته بالشراء. وفي هذه المرحلة التي تسبق ممارسة الموعود لحقه بالخيار، أي بقبول الشراء أو رفضه، يبقى الواعد مالكاً للشيء موضوع الوعد ويتصرف به ويستثمره ويستعمله كما يشاء. من هنا، يستطيع الواعد التفرغ عن الشيء كبيعه مثلاً إذا كان منقول لكن في هذه الحالة يكون قد أخل بوعده للموعود ويكون الواعد المخل مستهدفاً لأداء العطل والضرر إلى الموعود. كما أن مخاطر الشيئ تبقى على عاتق المالك (الواعد) قبل ممارسة الموعود حقه بالخيار.[7] إن أبرز ما يتضمنه الوعد بالبيع هو أنه يصبح بيع تام بمجرد إظهار المشتري (الموعود) لرغبته بالشراء. عندها لا يعود للواعد سوى أن يعقد البيع ولا يمكن للواعد أن يتراجع عن إلتزامه أو أن يرفض البيع طالما أن مهلة الوعد بالبيع لم تنقض بعد.

  1. موجبات وحقوق الموعود:

يستطيع الموعود خلال المرحلة التي تسبق ممارسته لحق الخيار أن يقوم بحماية حقوقه من خلال مقاضاة الواعد ومطالبته بالإمتناع عن إتلاف الشيء موضوع الوعد أو حتى أن يطلب تعيين حارس قضائي في حال الضرورة للمحافظة على الشيء الموعود به. إن الموعود عند إعلان رغبته بالشراء أي في مرحلة الخيار، يصبح بإستطاعته إلزام الواعد بإتمام الإجراءات كافة لنقل الملكية.[8]  إن المادة ٤٩٦ م.ع تنص على ذلك صراحةً، "عندما يصرح الشخص الموعود بعزمه على الشراء يتحول الوعد إلى بيع دون أن يكون له مفعول رجعي، ويتم إنتقال الملكية في يوم القبول."

 

لكن ماذا لو باع الواعد الشيء الموعود به إلى شخص ثالث؟

     نظراً إلى أن الواعد يبقى مالكاً للشيء موضوع الوعد طيلة الفترة التي تسبق مرحلة الخيار فإن بإمكان الواعد التصرف بالشيء وإستثماره وإستعماله كما يشاء. فإذا كان الشيء مال منقول يستطيع الواعد التفرغ عنه إلى شخص ثالث لكنه بذلك يكون قد أخل بوعده تجاه الموعود وعليه أداء العطل والضرر إلى الموعود كما جاء في نص المادة ٤٩٥ م.ع.

أما في ما يخص العقار فيعتد بنص المادة ٢٢٤ من قانون الملكية العقارية التي جاء فيها "إن الوعد بالبيع لا يسري على الغير الحسني النية إلا إعتباراً من تسجيله إحتياطياً في السجل العقاري وفقاً للمادة ٢٥ من القرار رقم ١٨٨."  فلا بد من التمييز بين ما إذا كان الشخص الثالث المتفرغ له حسن النية أو سيء النية. فإذا كان حسن النية ولم يكن قد أشير عن الوعد بالبيع في السجل العقاري، فلا يكون أمام الواعد إلّا أن يدفع العطل وضرر إلى الموعود. أما إذا كان الشخص الثالث سيئ النية فإن ذلك يؤدي إلى إبطال العقد القائم بين الواعد والشخص الثالث المتفرغ له. [9] 

        في ظل الأزمات الإقتصادية وتنامي ظاهرة تقلب الأسعار، قد يكون اللجوء إلى عقد الوعد بالبيع أحد الحلول لمعالجة هذه المسألة. فيتم الإتفاق بين الواعد والموعد على الشيء الموعود به وعلى ثمنه لفترة محددة يقرر خلالها الموعود رغبته بالشراء. وبذلك لا يتأثر المشتري أي الموعود بتقلب سعر الشيء. علماً أنه قد نكون أمام عقد شبيه يلتزم فيه المشتري بالشراء وهو عقد الوعد بالشراء أو أمام وعد تبادلي بالبيع والشراء يلتزم فيه كل من البائع والمشتري ليكون بيعاً إبتدائياً ومرحلة إبتدائية في مسار البيع قبل الوصول إلى البيع التام النهائي.

روزابيل سابا

 

 

My Legal Path

www.mylegalpath.com

 

 


[1] م. كركبي، العقود المسماة، صادر، ط ٦، ٢٠١٨، ج ١، ص 51.

[2] م. كركبي، العقود المسماة، ص 56.

[3] ع. إبراهيم، العقود المسماة،  ط ٣، ٢٠١٢، ص ٣٦.

[4] ع. إبراهيم، العقود المسماة، ص 37.

[5] م. كركبي، العقود المسماة، ص ٦٠-٦٢.

[6] ع. إبراهيم، العقود المسماة، ص 39.

 

[7] م. كركبي، العقود المسماة، ص 63-65.

[8] تمييز مدني، غ ١، رقم ٨، ١٩٩٥، باز، ص ١٦٢.

[9] م. كركبي، العقود المسماة، ص 72.

Your Complimentary Legal Education Tool

SAVE TIME, LEARN FASTER

3,300+

Legal Flashcards

> Exam Questions

> Exam Cases

> Legal Questions & Answers

> General Culture

Unlimited

Legal Education Resources

> Local & International Legal News

> Online Law Courses in Arabic, French and English

> Legal Career Tips

> Legal Knowledge