حق الحبس: وسيلة إكراه المدين على التنفيذ

01/26/2121

إن القاعدة العامة في العلاقات القانونية هي تنفيذ الموجبات أو الالتزامات التي تقع على عاتق كل من الأطراف. فعلى كل منهم أن يفي بما إلتزم به تجاه الآخر. هكذا، يكون كل طرف دائن ومدين في آنٍ معاً حيث يكون مديناً بتنفيذ إلتزامه الملقى على عاتقه لمصلحة الآخر ودائناً بالموجب المتوجب له في ذمة الأخير. إلا أنه قد يمتنع أحد الأطراف عن تنفيذ موجباته مما يؤدي إلى نشوء نزاعات بينهم إذ من غير المنطقي أن يقوم أحد الفرقاء بتنفيذ ما عليه بينما يمتنع الآخر عن التنفيذ أو الإيفاء. من هنا، أوجد القانون ما يسمى بحق الحبس وقد نص عليه قانون الموجبات والعقود (م.ع.) تحت عنوان الوسائل الممنوحة للدائن كي يتمكن من تنفيذ الموجب المستحق له. بحسب المادة ٢٧١ م.ع. إن حق الحبس هو "حق كل شخص دائن ومديون معاً في معاملة أو حالة واحدة بأن يمتنع عن التنفيذ ما دام الفريق الآخر لم يعرض القيام بما يجب عليه". وقد إعتبر الفقه أن هذا الحق هو "حق استثنائي يخول محرز الشيء أن يحبس هذا الشيء تحت يده بصفته دائنا بموجب متصل بهذا الشيء إلى غاية إيفاء المدين لهذا الإلتزام"[1]

 

هل يختلف حق الحبس عن الدفع بعدم التنفيذ؟ 

إعتبرت محكمة التمييز أنه يعود لكل من الفريقين ان يمتنع عن تنفيذ ما التزم به طالما ان الفريق الآخر لم يقم بتنفيذ التزامه المقابل إذ أن ذلك نتيجة منطقية في العقود ذات الطبيعة المتبادلة. وأضافت أنه يمكن التذرع بقاعدة الدفع بعدم التنفيذ وان لم يرد عليها نص صريح في التشريع اللبناني إذ أنه يمكن استخراج احكامها كتطبيق فرعي لقاعدة اشمل هي قاعدة حق الحبس المنصوص عليها في المادة ٢٧١ م.ع. وما يليها. إعتبرت المحكمة إذاً أن الدفع بعدم التنفيذ ما هو الا تطبيق لحق الحبس في العقود المتبادلة[2] .بمعنى آخر، إن الدفع بعدم التنفيذ يكون في العقود ذات الموجبات المتبادلة بينما حق الحبس لا ينحصر في هذه الفئة من العقود إذ يطبق في كل حالة يكون فيها تلازم بين الموجب المطلوب تنفيذه والدين المختص بمن يستعمل حق الحبس (مادة ٢٧٢ م.ع.(

 

شروط إستعمال حق الحبس

لكي يستطيع الدائن إستعمال حقه بالحبس يجب أن تتوفر الشروط التالية: 

١- وجود موجب على عاتق الحابس: بحسب تعريف المادة ٢٧١ م.ع. لحق الحبس، يجب أن يكون الحابس الدائن مديناً للطرف الآخر بموجب ما ولكنه يمتنع عن تنفيذه. 

٢- وجود حق مستحق الأداء لمصلحة الدائن الحابس: إن طبيعة الحق في الحبس تستلزم أن يكون الدين مستحق الأداء إذ أن حق الحبس يشكل وسيلة غير مباشرة لإكراه المدين على التنفيذ. وبالتالي، لا يصح إلزام المدين بالتنفيذ إذا لم يكن الدين مستحق الأداء[3]

٣- وجود علاقة أو تلازم بين الموجب المطلوب وحق الحابس: يجب لقيام حق الحبس وجود ارتباط بين إلتزام الحابس بتسليم الشيء المحبوس، وبين حقه المترتب في ذمة مدينه الذي يطالبه بهذا التسليم. وهذا الإرتباط هو الذي يبرر قانونا حبس الشيء.

 

حالات إستعمال حق الحبس 

أجاز القانون إستعمال حق الحبس في عدة حالات، نذكر ابرزها: 

١- عقد البيع: إن البيع عقد يلتزم فيه البائع أن يتفرغ عن ملكية شيء ويلتزم فيه الشاري أن يدفع ثمنه (مادة ٣٧٢ م.ع.). على أنه يعود للبائع، في حال كان الثمن متوجب الأداء حالاً، أي في حال لم يكن البائع قد منح المشتري مهلة للدفع، أن يحبس المبيع وأن يمتنع عن تسليمه ما دام المشتري لم يدفع إليه الثمن (مادة ٤٠٧ م.ع.). كذلك، يحق للبائع في حالة بيع عدة أشياء جملة واحدة أن يحبسها كلها إلى أن يقوم الشاري بدفع مجموع اثمانها، وإن كان ثمن كل منها قد عين على حدة (مادة ٤٠٨ م.ع.). 

إضافةً إلى موجب البائع بتسليم المبيع، فإنه يضمن للمشتري وضع يده على المبيع دون معارضة والعيوب الخفية التي تصيب هذا المبيع. من هنا، أعطى القانون المشتري حق حبس الثمن، أي حق الإمتناع عن دفعه، في حال تعرض له الغير أو في حال وجود خطر قريب من وقوع هذا التعرض بسبب سند سابق للبيع. ويبقى له حبس الثمن إلى حين إزالة البائع لهذا التعرض أو العيب الذي أصاب المبيع  (مادة ٣٧٠ م.ع.). 

 

٢- عقد الإيجار: على المستأجر موجب دفع بدل الإيجار، وفي حال تخلف عن ذلك، أجاز القانون للمؤجر أن يحبس الأثاث وسائر المنقولات الموجودة في المأجور بغض النظر عن مالكها الحقيقي وذلك لتأمين قيمة بدل الإيجار المستحق (مادة ٥٧١ م.ع.). 

 

٣- عقد الوديعة: الإيداع عقد يستلم بمقتضاه الوديع من المودع شيئاً منقولاً ويلتزم حفظه ورده في أجل معين (مادة ٦٩٠ م.ع.). وعلى المودع أن يدفع للوديع نفقات الوديعة وأن يعوضه عن الخسائر التي اصابته بسبب الإيداع (مادة ٧١٧ م.ع.). بالتالي، في حال إمتنع المودع عن تسديد ما يجب عليه لمصلحة الوديع، حق للأخير حبس الوديعة والإمتناع عن ردها إلى أن يستوفي كل ما له بذمة المودع (مادة ٧١٨ م.ع.). 

 

٤- عقد الوكالة: الوكالة عقد بمقتضاه يفوض الموكل إلى الوكيل القيام بقضية أو بعدة قضايا أو بإتمام عمل أو فعل أو جملة أعمال أو أفعال (مادة ٧٦٩ م.ع.). والوكالة في الأصل مجانية إلا أنه ليس ما يمنع إشتراط الأجر (مادة ٧٧٠ م.ع.).  من هنا، قد يترتب على الموكل أجر لمصلحة الوكيل وفي حال إمتنع عن ادائه، حق للوكيل أن يحبس عنده منقولات الموكل أو بضائعه التي سلمت إليه أو ارسلت إليه حتى يستوفي ما له (مادة ٧٩٨ م.ع.). 

 

       يتبين مما تقدم أن المشترع أراد حماية حقوق الدائن وصونها والحفاظ عليها فأقر له حق حبس أموال مدينه. تُمكّن هذه الوسيلة من حثّ المدين، لا بل اجباره على التنفيذ. قد يعتبر البعض أن حق الحبس هو إستثناء على مبدأ عدم جواز إستيفاء الحق بالذات[4] ولكن يجب النظر إليه على أنه وسيلة لضمان حقوق الدائن وإكراه المدين على التنفيذ وأداء التزاماته من خلال إمتناع الأول بدوره عن التنفيذ. إضافةً إلى أن قانون الموجبات والعقود نص على حق الحبس ضمن إطار وسائل التنفيذ (مادة ٢٧١ م.ع.(.

 

مارينا ابراهيم

 

 

My Legal Path

Legalnews.lb@gmail.com

www.mylegalpath.com

 

 

[1] مصطفى العوجي، الموجبات المدنية، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، ص ٢١١.

[2] تمييز، الغرفة الرابعة المدنية، قرار رقم ٣٤ تاريخ ١\١١\١٩٨٣،  حاتم، ج ١٨٧، ص ٦٨٥.

[3] وجدي حاطوم، حق الحبس في القانون المدني كوسيلة ضمان غير مباشرة، ط ١، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، ٢٠٠٧، ص ١٨٦.

[4] عبد العزيز شافي، إستيفاء الحق بالذات بين التجريم والتشريع، مجلة الجيش، عدد ٢٦٣، ٢٠٠٥.

Your Complimentary Legal Education Tool

SAVE TIME, LEARN FASTER

3,300+

Legal Flashcards

> Exam Questions

> Exam Cases

> Legal Questions & Answers

> General Culture

Unlimited

Legal Education Resources

> Local & International Legal News

> Online Law Courses in Arabic, French and English

> Legal Career Tips

> Legal Knowledge